ابن ميثم البحراني
389
شرح نهج البلاغة
بها الأفهام من جهتها ، وما يلحقه الفناء فينقضي إذا بلغ أمد حدّه ، وتقف الأفهام على ذلك الحدّ وتحلَّله إلى أجزائه فتطَّلع على كنهه منها . ثمّ عقّب ذلك التنزيه بتوحيده ونفى الكثرة عنه . وقوله : أضاء بنوره كلّ ظلام . فالظلام إمّا محسوس فأضاء بأنوار الكواكب ، أو معقول وهو ظلام الجهل فأضاءه بأنوار العلم والشرائع . وقوله : وأظلم بنوره كلّ نور . إذ جميع الأنوار المحسوسة أو المعقولة لغيره متلاشية مضمحلَّة في نور علمه ، وظلام بالنسبة إلى ضياء براهينه في جميع مخلوقاته الكاشفة على وجوده وكمال جوده . ثمّ شرع في الموعظة فبدء بالوصيّة بتقوى اللَّه باعتبار سلب أمرين هما سبب البقاء في الحياة الدنيا وهما الملبوس والمطعوم ، ويحتمل أن يريد بالمعاش سائر أسباب البقاء ، وثنّى بذكر أنّه لا سبيل إلى البقاء ودفع الموت تخويفا به ، واحتجّ عليه بقياس استثنائي تلخيصه : لو أنّ أحدا يجد سبيلا إلى دفع الموت لوجده سليمان عليه السّلام وتقدير الاستثناء : لكنّه لم يجده فلن يجده أحد بعده . أمّا الملازمة فلأنّ سليمان عليه السّلام كان أقوى سلطان وجد في العالم لاستيلاء حكمه على ملك الجنّ والإنس مع النبوّة وعظيم الزلفة عند اللَّه فكان أولى بدفعه لو كان يمكن دفعه ، وأمّا بطلان التالي فلأنّه عليه السّلام لما استوفى طعمته واستكمل مدّته مات فلو وجد مدفعا لدفعه عن نفسه . فقوله : فلو أنّ . إلى قوله : سبيلا . هو مقدّم الشرطيّة . وقوله : لكان ذلك . إلى قوله : عليه السّلام . هو التالي . وقوله : الَّذي . إلى قوله : الزلفة . بيان لوجه الملازمة . وقوله : فلمّا استوفى . إلى قوله : قوم آخرون .